أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

271

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بالتشديد وأفعل بمعنى المجرد ، وهل ماز وميّز بمعنى واحد أو بمعنيين مختلفين ؟ قولان . ثم القائلون بالفرق اختلفوا ، فقال بعضهم : لا يقال « ماز » إلا في كثير من كثير ، فأما واحد من واحد فميّزت ، ولذلك قال أبو معاذ « 1 » : يقال : « ميّزت بين الشيئين ومزت بين الأشياء » . وقال بعضهم عكس هذا : مزت بين الشيئين وميّزت بين الأشياء ، وهذا هو القياس ، فإنّ التضعيف يؤذن بالتكثير وهو لائق بالمتعددات . ورجّح بعضهم « ميّز » بالتشديد بأنه أكثر استعمالا ، ولذلك لم يستعمل المصدر إلا منه فقالوا : التمييز ، ولم يقولوا : « الميزة » يعني لم يقولوه سماعا وإلا فهو جائز قياسا . قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ هذا استدراك من معنى الكلام المتقدم ، لأنه لمّا قال تعالى : « ما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ » توهّم أنه لا يطلع أحدا على غيبه لعموم الخطاب فاستدرك الرسل ، والمعنى : ولكنّ اللّه يجتبي - أي مصطفي - من رسله من يشاء فيطلعه على الغيب ، فهو ضدّ لما قبله في المعنى ، وقد تقدّم أنها تقع بين ضدّين ونقيضين ، وفي الخلافين خلاف . و يَجْتَبِي : يصطفي ويختار ، يفتعل من جبوت المال والماء وجبيتهما لغتان ، فالياء في « يَجْتَبِي » محتمل أن تكون على أصلها ، وأن تكون منقلبة من واو لانكسار ما قبلها . ومفعول « يَشاءُ » محذوف ، وينبغي أن يقدّر ما يليق بالمعنى ، والتقدير ، من يشاء اطلاعه على الغيب . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 180 إلى 181 ] وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 181 ) قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ : قرأ حمزة بالخطاب ، والباقون بالغيبة . فأمّا قراءة حمزة ف « الَّذِينَ » مفعول أول ، و « خَيْراً » هو الثاني ، ولا بدّ من حذف مضاف ليصدق الخبر على المبتدأ ، تقديره : ولا تحسبنّ بخل الذين يبخلون . قال أبو البقاء : « وهو ضعيف لأنّ فيه إضمار البخل قبل ذكر ما يدلّ عليه » وفيه نظر ، لأنّ الدلالة على المحذوف قد تكون متقدمة وقد تكون متأخرة ، وليس هذا من باب الإضمار في شيء حتى يشترط فيه تقدّم ما يدلّ على ذلك الضمير . و هُوَ فيه وجهان : أحدهما : أنه فصل بين مفعولي « تحسبن » . والثاني - قاله أبو البقاء - : أنه توكيد ، وهو خطأ ، لأنّ المضمر لا يؤكّد المظهر ، والمفعول الأول اسم مظهر ولكنه حذف كما قدم . وبعضهم يعبّر عنه فيقول : « أضمر المفعول الأول » يعني حذف فلا يغترّ بهذه العبارة ، و « هُوَ » في هذه المسألة يتعيّن فصليّته لأنه لا يخلو : إمّا أن يكون مبتدأ أو بدلا أو توكيدا ، والأول منتف لنصب ما بعده - وهو خيرا - وكذا الثاني لأنه كان يلزم أن يوافق ما قبله في الإعراب فكان ينبغي أن يقال إياه لا « هُوَ » ، وكذا الثالث لما تقدّم .

--> ( 1 ) الفضل بن خالد أبو معاذ النحوي المروزي توفي سنة 211 انظر بغية الوعاة 2 / 245 .